عمر السهروردي
602
عوارف المعارف
الذي لا يصل إليه عوام المؤمنين إلا بعد الموت حيث يقال : فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ . « 1 » فأرباب النهايات ماتت أهويتهم ، وخلصت أرواحهم . قال يحيى بن معاذ ، وقد سئل عن وصف العارف فقال : رجل معهم بائن منهم . وقال مرة : عبد كان فبان . فأرباب النهايات هم عند اللّه بحقيقتهم ، معوقين بتوقيت الاجل ، جعلهم اللّه تعالى من جنوده في خلقه ، بهم يهدى ، وبهم يرشد ، وبهم يجذب أهل الإرادة ، كلامهم دواء ، ونظرهم دواء ، ظاهرهم محفوظ بالحكم ، وباطنهم معمور بالعلم . قال ذو النون : علامة العارف ثلاثة : لا يطفئ نور معرفته نور ورعه ، ولا يعتقد باطنا من العلم ينقض عليه ظاهرا من الحكم ، ولا يجعله كثرة نعم اللّه وكرامته على هتك أستار محارم اللّه . فأرباب النهايات كلما ازدادوا نعمة ازدادوا عبودية ، وكلما ازدادوا دينا ازدادوا قربا ، وكلما ازدادوا جاها ورفعة ازدادوا تواضعا وذلة أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ . « 2 » وكلما تناولوا شهوة من شهوات النفس استخرجت منهم شكرا صافيا يتناولون الشهوات تارة رفقا بالنفوس ، لأنها معهم كالطفل الذي يلطف بالشيء ، ويهدي له شيء ، لأنه مقهور تحت السياسة ، مرحوم ملطوف به . وتارة يمنعون نفوسهم الشهوات تأسيا بالأنبياء ، واختيارهم التقلل من الشهوات الدنيوية .
--> ( 1 ) سورة ق : الآية 22 . ( 2 ) سورة المائدة : الآية 54 .